عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

342

اللباب في علوم الكتاب

أن إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - لما احتّج بالإحياء ، والإماتة قال المنكر : أتدعي الإحياء والإماتة من اللّه ابتداء من غير واسطة الأسباب الأرضيّة والسّماويّة ، أو بواسطتهما . أمّا الأوّل : فلا سبيل إليه ، وأمّا الثّاني ، فلا يدلّ على المقصود ، لأنّ الواحد منا يقدر على الإحياء والإماتة بواسطة سائر الأسباب فإنّ الجماع قد يفضي إلى الولد الحيّ بواسطة الأسباب الأرضيّة والسّماويّة ، وتناول السّم قد يفضي إلى الموت ، فلما ذكر النّمروذ هذا السّؤال على هذا الوجه ؛ أجاب إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - فقال : [ هب أنّ الإحياء ، والإماتة ] حصلا من اللّه تعالى بواسطة الاتّصالات الفلكية إلّا أنه لا بدّ لتلك الاتصالات والحركات الفلكية من فاعل مدبّر ، فإذا كان المدبّر لتلك الحركات الفلكيّة هو اللّه تعالى ؛ كان الإحياء والإماتة الصّادران من البشر بواسطة الأسباب الفلكية والعنصرية ليست كذلك ؛ لأنه لا قدرة للبشر على الاتّصالات الفلكية ؛ فظهر الفرق . إذا عرف هذا فقوله تعالى « إنّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ » ليس دليلا آخر ، بل من تمام الدّليل الأوّل ؛ ومعناه : أنّه وإن كان الإحياء والإماتة [ من اللّه ] بواسطة حركات الأفلاك إلّا أن حركات الأفلاك من اللّه تعالى فكان الإحياء والإماتة أيضا من اللّه تعالى ، وأما البشر فإنه وإن صدر منه الإحياء والإماتة بواسطة الاستعانة بالأسباب السّماويّة والأرضيّة إلّا أن تلك الأسباب ليس واقعة بقدرته ؛ فثبت أنّ الإحياء والإماتة الصّادرين عن البشر ليسا على ذلك الوجه ، فلا يصلح نقضا عليه ، فهذا هو الّذي اعتقده في كيفيّة جريان هذه المناظرة ، لا ما هو المشهور عند الكلّ واللّه أعلم بحقيقة الحال « 1 » . قوله : « فإنّ اللّه » هذه الفاء جواب شرط مقدّر تقديره : قال إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - إن زعمت ، أو موّهت بذلك فإنّ اللّه . ولو كانت الجملة محكيّة بالقول ، لما دخلت هذه الفاء ، بل كان تركيب الكلام : قال إبراهيم : إنّ اللّه يأتي ، وقال أبو البقاء « 2 » رحمه اللّه : « دخلت الفاء ؛ إيذانا بتعلّق هذه الكلام بما قبله ، والمعنى : إذا ادّعيت الإحياء والإماتة ، ولم تفهم ، فالحجّة أنّ اللّه تعالى يأتي ، هذا هو المعنى » والباء في « بالشّمس » للتعدية ، تقول : أتت الشّمس ، وأتى اللّه بها ، أي : أجاءها ، و « من المشرق » و « من المغرب » متعلّقان بالفعلين قبلهما ، وأجاز أبو البقاء « 3 » فيهما بعد أن منع ذلك أن يكونا حالين ، وجعل التقدير : مسخّرة أو منقادة قال شهاب الدين - رحمه اللّه - : وليته استمر على منعه ذلك . فصل للناس هاهنا طريقان : أحدهما : طريقة أكثر المفسّرين « 4 » : وهو أنّ إبراهيم - عليه الصّلاة والسّلام - لما

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 22 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 108 . ( 3 ) ينظر : المصدر السابق . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 7 / 23 .